السبت، 22 أكتوبر 2016

القضارف ... أرض السماحة والندى





مدخل:
يوثق للقضارف الباحث الراحل بابكر محمود النور ويقول
«
القضارف الجديدة تعيدني لسطور طالعتها قبل سنوات وردت ضمن مذكرات (السير اقوين بل) والذي ألحق عام 1931م مساعداً لمفتش مركز القضارف والتي جمعها في كتاب. وخاصة الجزء الذي أعده الصحافي الراحل بشير محمد سعيد تحت اسم (إدارة السودان في الحكم الثنائي) وقام بترجمته للعربية حسين بيومي، حيث قال عن مدينة القضارف (ذات مظهر أشبه بأفريقيا منه بالبلدان العربية تكثر فيها القطاطي المصنوعة من الأخشاب والقصب والأعشاب لم يكن عدد سكانها حينذاك (1931) يتجاوز خمسة عشر ألف وهم خليط من القبائل العربية والنيجيرية والإرتيرية والحبشية) أما المنطقة التي كان يقطنها المركز كله فقد كان يسكنها نحوا من ثلاثمئة ألف نسمة وكانت مساحتها تبلغ ثلاثين ألف ميل مربع أو ما يقرب من مساحة (اسكتلندا). أما القضارف القديمة فهي سوق ود أب سن الذي أنشأه الشيخ محمد عوض الكريم أبو سن والذي توسط جبال القضارف ليصبح النواة الأولى للمدينة الجديدة (القضارف) التي كانت تتبع لمركز عصّار التابع للحكمدار.
جعلت هذا الحديث مدخلاً لأنفذ من خلاله إلى حقيقة ان هذه الارض الطينية التصقت بأرضها كل رِجل خطت فيها، فهي ليست خصبة إذ تنتج الحبوب لكن خصبها من تنوع سكانها وتعدد سحنات البشر الذين أرتبطو بها، وتلك لعمرك مزية وخصيصة جعلتها مصهرا للأعراق ولم تعد كما غيرها مرتبطة بقبيلة أو عرق بعينه.
ولعل الناظر إلى سحنات الناس في القضارف ريفا وحضرا، يكتشف أنها نموذج مصغر للسودان بل لأفريقيا جنوب الصحراء، وهنا لابد أن نشير لما لذلك التنوع المتجانس من أثر في تكوين عبها المتصف بالسماحة المسربل بقيم الإسلام في أزهى تمظهراتها.
كما يجب أن لا تغيب عنا حقيقة أن الوحدة في التنوع (unity in diversity ) كمفهوم إنماهي دليل التحضر الذي دعا له الإسلام الذي آخى بين بلال الحبشي وصهيب الرومي وغيرهم من العرب والعجم الذين آلف الله بين قلوبهم وجعل رابطة العقيدة عندهم أقوى من رباط الدم والعرق.
وإني لاعجب من أناس يجعلون من قيمة التنوع في القضارف سبة يرمون بها مدينتنا وولايتنا السمحة ،إذ تجد بعضهم يقول عنها ( دي بلد ما عندها وجيع، أو دي بلد لحم رأس ) زراية بحالها، يحسبون، ساء ظنهم وخاب، أن الولايات التي تكون لقبيلة فيها شوكة، تفضلها مقاماً، وهيهات أن يكون ذلك كذلك.
وحسبنا أن نشير في مقام التنويه بفضل تنوعها إلى بساطتها، فما من أحد زارها وطاف حواريها وغشي سوقها إلا وتجذرت في قلبة محبتها فلم يبرح عرصاتها، متخذا من أرضها داراً ومن أهلها عشيرة تأويه، فاجمل بذلك من فخر وأكرم بها من خُلة بين العالمين.
كما أن كل من خرج منها لساحات العمل العام كان مثالاً في التسامح والبعد عن العنصرية، وإنها لفضيلة كادت ان تندثر، وذلك يعود بلاشك لتركيبتها السكانية التي هي مزيج متجانس يحتفظ فيه كل وأحد بتراثه ويتشرب من الاخرين حوله قيماً أخرى يرفد بها ذائقته ويشحذ في نفسه معاني الخلق الكريم. فالنبل والأثرة والخصال الجميلة كأنها من بعض زرعهم (البكاري) في الخريف، والتراحم والسماحة والندى محاصيل (يسوقونها ) إذا رف الناس إلى أسواق الحياة العامة يبيعون ويشرون.
     وحسبي تنويها بفضلها ان جعلتني لها إبنا وصيرتني في حب أهلها مستهاماً أشدو مع خليل عجب الدور:
       إن القضارف وهي أخصب بقعة       محصولها ضربت به الامثال
        وإذ سألت عن محصولها            يجبك السوق والميزان والغربال
        ومزارعون وتاجران هما بها              حنا ابن روفائيل او دانيال
سقى الله ارضها وأبلُ وصيب وجنب أهلها بوائق الفتن وجملها بكل سامٍ من الفضائل وجعلها درة مصونة تهب السودان الحبَ والحُب....